تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

ما بعد مهلة الصدر: طرق وعرة أمام العراق

ما بعد مهلة الصدر
صورة تم التقاطها يوم ١٨ نوفمبر ٢٠٢١ لرجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر أثناء مؤتمرٍ صحفي عقده في النجف الأشرف. المصدر: Ali NAJAFI/ AFP.

حسين الزعبي

عادت السخونة إلى المشهد السياسي العراقي بعد أن انتهت مهلة الأربعين يوم التي منحها زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، لخصومه في تجمّع الإطار التنسيقي الشيعي لتشكيل الحكومة. وفي الوقت الذي يصر فيه الإطار على تشكيل حكومة توافقية تضم كل القوى الشيعية، فإن الصدر يريد تشكيل حكومة أغلبية وطنية عبر تحالفه مع تحالف السيادة “السني” والحزب الديمقراطي الكردستاني “كردي”.

الإطار التنسيقي، وبمجرد انتهاء مهلة الصدر، قدم مباردة عرفت إعلاميا بـ “تسعة بتسعة” وفيها أصر الإطار على موقفه بشأن الحكومة التوافقية داخل البيت الشيعي باعتباره المكون الأكبر. واقترحت المبادرة أن يقدم النواب المستقلين مرشحاً لرئاسة الحكومة تتوفر فيه الكفاءة والنزاهة والمقبولية والحيادية وجميع المؤهلات المطلوبة، على أن يُدعم من قبل جميع الكتل الممثلة للمكون الأكبر. أما النقطة الأخرى الإضافية التي تضمنتها المبادرة، فهي حسم موضوع الرئاسات الثلاث عبر تفاهم أبناء كلّ مكون فيما بينهم. ويتعامل الجميع مع مفهوم الأغلبية الراغبة في المشاركة وكذلك المعارضة الراغبة بالمراقبة، على أن تمر جميع الرئاسات بمسار واحد وهو الأغلبية الراغبة التي يطمئن لها الجميع، مع الاتفاق على أن رفض أي مرشح من المكونات الأخرى لا يعني تقاطعاً مع المكون بل فسح المجال أمام هذا المكون لتقديم خيارات أخرى. الصدر، وفي رفض غير مباشر لمبادرة الإطار، ردّ بمبادرة أخرى دعا فيها النواب المستقلين لتشكيل حكومة لا يشارك فيها وزراء من تياره.

مهلة الأربعين يوما لم تكن خالية من الحراك ومحاولات ضرب الخصوم سياسيا بل وعسكريا واقتصاديا أيضا. خصوم الإطار التنسيقي يتهمونه بمحاولة تفكيك التحالف الثلاثي بقيادة الصدر عبر تنفيذ عمليات ذات طابع مسلّح مثل استهداف مقرات الأحزاب السنية والكردية المتحالفة مع الصدر سواء في العاصمة بغداد أو في منطقة الأنبار معقل رئيس البرلمان المتحالف مع الصدر محمد الحلبوسي. ويظهر ذلك أيضاً فيما تنظمه الفصائل المحسوبة على قوات الحشد الشعبي من استعراضات مسلحة متكررة في الأنبار. وتتبع هذه الفصائل سياسيا لجهات متحالفة مع الإطار التنسيقي وهي تهدف من استعراضاتها إخافة النواب المنضوين في تحالف السيادة ودفعهم لتغيير تحالفاتهم وبالتالي خسارة التحالف الثلاثي لمقاعد داخل البرلمان.

ضغوط عسكرية واقتصادية

المحاولات العسكرية لم تتوقف عند هذا الحد؛ فقصف أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق ومعقل الحزب الديمقراطي الكردستاني، بـ 11 صاروخا تبنى الحرس الثوري الإيراني المسؤولية عنها يحمل أكثر من رسالة. وفي هذا السياق، يقول الصحفي الكردي علي نمر لـ “فنك”: “هذا القصف، وإن كان الهدف المعلن منه إيرانيا وجود إسرائيلي مزعوم في كردستان، فإنه يحمل رسالة تهديد مباشر للحزب الديمقراطي الكردستاني المتحالف مع التيار الصدري الذي يغرد خارج السرب الشيعي الموالي لإيران. وهذا الأمر مرجح على اعتبار أن إيران تدعو لحكومة توافقية في العراق وهو ما يريده الإطار التنسيقي بزعامة نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الأسبق وكذلك الفصائل المسلحة، وهي أصلا موالية لإيران”.

ما ذهب إليه نمر يتفق معه الباحث في الشأن السياسي د. حذيفة المشهداني. ففي حديثٍ مع “فنك”، يرى المشهداني أن التهديد الإيراني كان واضحاً عبر الاستهداف الأخير لمصفاة كوروكوسك للنفط بستة صواريخ، علماً بأن هذه المصفاة من أهم المصافي في شمال غربي محافظة أربيل. وحمّل مجلس أمن إقليم كردستان العراق ميليشيات “عصائب أهل الحق” و”لواء 30″ التابعتين لـ”الحشد الشعبي” الذي تدعمه إيران مسؤولية الهجمات. وبحسب المشهداني، فإن الشق العسكري لا ينفصل عن الشق الاقتصادي أثناء الحديث عمّا يتم ممارسته من ضغط على إقليم كردستان العراق الذي يشكل حالة مثالية من الاستقرار على الأقل مقارنة بما تشهده مدن جنوب ووسط العراق من كوارث اقتصادية ومجتمعية وأمنية جراء الفساد وفوضى السلاح. ويضيف المشهداني: “المطلوب يتمثل في ضرب استقرار الشمال عسكريا واقتصاديا عبر زعزعة القطاع النفطي الذي يعد من حوامل الاقتصاد العراقي، لاسيما مع طفرة ارتفاع اسعار البترول جراء الحرب في أوكرانيا. وبهذه المنهجية، يتم دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم هناك باتجاه إعادة حساباته بشأن تحالفاته السياسية”.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى إصدار المحكمة الاتحادية العليا في العراق حكما يقضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان، الصادر عام 2007، وإلغائه لمخالفته أحكام مواد دستورية، فضلا عن إلزام الإقليم بتسليم الإنتاج النفطي إلى الحكومة الاتحادية.  القرار الذي سبق مهلة الصدر، شمل إلزام حكومة الإقليم بتسليم “كامل إنتاج النفط من الحقول النفطية في الإقليم والمناطق الأخرى، التي كانت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان تستخرج النفط منها، وتسليمها إلى الحكومة الاتحادية والمتمثلة بوزارة النفط العراقية، وتمكينها من استخدام صلاحياتها الدستورية بخصوص استكشاف النفط واستخراجه وتصديره”.

المتابعون شككوا بالنوايا الحقيقة للمحكمة الاتحادية بشأن القرار، لاسيما لجهة توقيت إصدار القرار من جهة ولخضوع القضاء لتأثير القوى السياسية لاسيما المحسوبة على الإطار التنسيقي.

وكان إقليم كردستان قد بدأ ببيع النفط بمعزل عن الحكومة الاتحادية. وجاء ذلك بعد أزمة مالية خانقة نتيجة انهيار أسعار النفط خلال اجتياح “داعش” لمناطق في العراق، فضلا عن الخلافات مع بغداد التي دفعت الأخيرة إلى إيقاف صرف رواتب موظفي الإقليم.

خصوم الأمس إلى الواجهة

ما بعد مهلة الصدر
صورة تم التقاطها يوم ٤ مايو ٢٠١٢ لنائب الرئيس العراقي الأسبق طارق الهاشمي أثناء حديثه في مؤتمر صحفي عقده في إسطنبول. المصدر: BULENT KILIC / AFP.

الساحة السنية في العراق هي الأكثر هشاشة، فلا أذرع مسلحة لدى قواها السياسية كما هي القوى السياسية الشيعية، ولا إقليم يتمتع بحكم ذاتي يهدد بالانفصال، ولامرجعية واحدة يمكن العودة إليها كما هي مرجعية السيسيتاني. كما أن هذه الساحة منهكة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي جراء اجتياح “داعش” لها، ومن ثم اجتياح الميليشيات “الشيعية” بحجة وجود داعش. وباتت تهمة “الإرهاب” تهمة جاهزة يمكن إلصاقها بأبناء تلك المناطق. كل هذا جعل من القوى السياسية المنتمية إليها عرضة للاستهداف أكثر ممن غيرها بهدف كسر التحالف الثلاثي من ضلعه السني الذي يقوده رئيس البرلمان محمد الحلبوسي.

المحاولة هذه المرة جاءت عبر محاولة تفتيت ما بات يعرف بـ “البيت السني” من خلال عودة مفاجئة لوجوه سياسية تصدرت المشهد السياسي لسنوات ومن ثم تم استبعادها بتهم تتعلق بالإرهاب. ومن أبرز هؤلاء علي السليمان المعروف باسم “أمير” دليم، وهي أكبر قبائل العراق ولديها امتدادات عشائرية في دول الخليج. وكان السليمان حليفا لرئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي حتى العام 2010 ثم انهار هذا التحالف وتحول السليمان لخصم اتهمته حكومة المالكي بـ “الإرهاب”. إلا أن السليمان عاد فجأة في بغداد وقال إن “القضاء أنصفه” فيما ذهبت مصادر إعلامية إلى أن علي السليمان بضيافة نوري المالكي، وهذا ما نفاه مدير المكتب الإعلامي لرئيس ائتلاف دولة القانون، هشام الركابي في تغريدة قال فيها: إن “المعلومات بشأن وجود علي حاتم سليمان بضيافة المالكي غير صحيحة”.

هذه العودة المفاجئة لم تقتصر على السليمان، فقد سبقه القيادي السني ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي بالعودة وتسوية قضيته مع القضاء، رغم صدور قرارات بحقه وفق قانون الإرهاب العراقي. كما تم العفو عن النائب السابق والقيادي السني أحمد العلواني، السجين الذي حكم بالإعدام بعد أن أدين بتهمة القتل العمد لجنديين عراقيين نهاية 2013، فيما تشير التوقعات إلى احتمالية عودة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي الملاحق بقضايا تتعلق بالإرهاب أيضا. وفي هذا السياق، كشف النائب السابق في البرلمان العراقي ورئيس اللجنة القانونية في البرلمان (شيعي) فائق الشيخ علي أن الأحكام التي صدرت بحق الهاشمي ملفقة وأن على الحكومة العراقية أن تقدم اعتذارها له.

وبحسب المشهداني، فإن العودة المفاجئة لتلك الشخصيات لا يستعبد أن تكون محاولة إيرانية لإبراز شخصيات ودفعها لتكون جزءاً مما يسمى (سُنة إيران) بحيث تكون تلك الشخصيات منافسة للتكتل السياسي المتحالف مع الصدر بقيادة محمد الحلبوسي وخميس الخنجر والمسيطر على الساحة السنية. ويستند المشهداني في رأيه تجاه هذه العودة على تغريدة علي حاتم السليمان التي قال فيها بعد عودته: “بعدما عانت الأنبار من مشاريع التطرف والإرهاب وتحولت إلى مرحلة الهيمنة والديكتاتورية وتكميم الأفواه والفساد، نعلنها من بغداد أن هذه الأفعال ستواجه بردة فعلٍ لن يتوقعها أصحاب مشاريع التطبيع والتقسيم. ومن سرق حقوق المكون وعلى من يدعي الزعامة أن يفهم هذه هي الفرصة الأخيرة”. هذه التغريدة، بحسب المشهداني، يقصد بها الحلبوسي وحلفائه الذين سجلوا حضورا في المحافظات الغربية ذات الأغلبية السنية.

لكن السؤال المطروح إلى أين يتجه العراق بعد كل هذا الانسداد؟ في محاولته الإجابة، يلقي المشهداني الكرة إلى ملعب التيار الصدري، إذ يرى أن المسألة مرهونة بمقدرة الصدر على مواجهة الضغوطات التي يتعرض لها من حلفاء إيران، وبمدى قدرته على تفكك حلفائه وكسب المزيد، لاسيما من المستقلين، ليتمكن من تحقيق النصاب البرلماني، وإلا، والكلام للمشهداني، فإن البلاد إما أن تنفجر مجتمعيا وهذا أمر غير مستبعد في ظل الضائقة الاقتصادية وبالتالي يتكرر مشهد العام 2017، أو أن تذهب البلاد إلى انتخابات، وإن حدث ذلك فإن الكثير من القوى السياسية المتصدرة للمشهد ستكون خارج اللعبة السياسية.