تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

السكان في العراق

السكان في العراق: بغداد
بغداد

المحتويات

الفئات العمرية
مناطق السكن
التركيبة العرقية
السنة و الشيعة
النزوح الداخلي و اللاجئون
الإيرانيون في العراق

المقدمة

بلغ عدد سكان العراق في عام 2020م، 40 مليوناً و150 ألف نسمة، وفقاً لنتائج التعداد الرسمي الذي أعلنت نتائجه وزارة التخطيط العراقية في يناير من العام 2021م، وجاء توزع السكان بواقع 50.50% للذكور، و49.5% للإناث، بنسبة نوع جنسي 102 ذكراً لكل 100 أنثى.

وبلغ معدل النمو السكاني التراكمي للسنوات الثلاث التي سبقت التعداد الرسمي الأخير نحو 8.1%، بمتوسط معدل نمو سنوي مرتفع 2.7%. حيث بلغ عدد سكان العراق في العام 2017م وفقاً لتقديرات وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، نحو 37.14 مليون نسمة، بمعدل نمو سكاني بلغ 2.61%. وبلغت نسبة الجنس وفقاً لتلك التقديرات في ذلك العام 103.9 ذكراً لكل 100 أنثى.

وقد أُجري آخر تعداد رسمي للسكان في العراق عام 1997م، غير أنه لم يشمل كامل محافظات العراق وإنما جرى تقديراً لسكان محافظات دهوك وأربيل والسليمانية، التي كانت تتمتع بوضع خاص نتج عن تداعيات حرب الخليج الثانية، وعدم خضوعها لسلطة الحكومة الاتحادية، لذا لم يتم إحصاء سكان منطقة كردستان بشكل مباشر، الأمر الذي شكل تشوهاً مهماً في نتائج التعداد الإجمالي.

شهد العراق تحولات ديموغرافية واقتصادية وسياسية كبيرة بعد أحداث عام 2003م وتغيير النظام السياسي. ومع أهمية المحافظة على دورية تنفيذ التعدادات العامة للسكان، كان مقدرا أن يجري التعداد الثامن في عام 2007م إلا أن الظروف الاستثنائية التي نتجت عن تغيير النظام السياسي في البلاد، وتزايد حدة العنف والخلافات السياسية حول أهداف التعداد واحتمالات التوظيف السياسي لنتائجه، كلها ساهمت في عرقلة إنجاز التعداد في موعده أو في المواعيد التي تم إقرارها فيما بعد.

بيد أن تصاعد حدة الخلافات بين الحكومة الاتحادية ومنطقة كردستان، بشأن السيطرة على المناطق الخاضعة للمادة 140 من الدستور العراقي، فيما عُرف بالمناطق المتنازع عليها، لعل أبرزها محافظة كركوك الغنية بالنفط، كان سبباً رئيسياً في عدم توافق القوى السياسية على إجراء التعداد، منذ ذلك الحين، والذي يعتبر الأساس في توزيع الثروات في البلاد ورسم الخطط التنموية وتقويم نتائجها ووضع الخطط الصحيحة لإعادة الإعمار. هذا، على الرغم من تطمينات أطلقتها وزارة التخطيط في غير مرة، بأن التعداد لن يتضمن سؤالا عن المذهب أو الطائفة كما تطالب بعض الأحزاب في العراق.

فلجأت الوزارة تقدير عدد السكان سنوياً بالاعتماد على البطاقة التموينية، وهي برنامج لتوزيع الحصص الغذائية على السكان، والذي تم اتباعه منذ فرض الحصار على البلاد في تسعينيات القرن الماضي.

يشكل المسلمون من مجموع السكان 95- 98% (الشيعة 64-69%، السنة 29-34%)، ويشكل المسيحيون 1% (تشمل الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت والكنيسة الآشورية في الشرق)، في حين يشكل الآخرون  بين 1 و4%، وفقًا لـ كتاب حقائق العالم لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (تقديرات 2015).

العراق بلد متنوع الأعراق وإن تعهدت الحكومة الاتحادية بألا تشمل إحصاءاتها أي أسئلة حول المذهب الديني أو الطائفة والعرق؛ غير أن مصادر مستقلة تشير إلى أن نسبة العرب بلا تمييز طائفي تشكل 75-80% من إجمالي عدد السكان، فيما يشكل الأكراد بين 15-20%، والأعراق الأخرى ما نسبته 5% (تشمل التركمان، الأيزيديين، الشبك، الكاكائيين، البدو، الرومان، الآشوريين، الشركس، السبأيين المندائيين، الفارسيين).

وتشمل اللغات المستخدمة في الجمهورية العراقية: العربية (رسمية)، الكردية (رسمية)، التركمانية (لهجة تركية)، السريانية (الآرامية الجديدة)، والأرمينية هي لغات رسمية في المناطق التي يشكل فيها المتحدثون الأصليون لهذه اللغات غالبية السكان.

السكان في العراق
المصدر: https://www.citypopulation.de/en/iraq/. @Fanack

الفئات العمرية

يُعد المجتمع العراقي بأنه مجتمعاً فتياً، ذلك أن 40.4% من جملة السكان هم دون سن الـ 15 عاماً. وفي حين شكلت الفئة العمرية من السكان الناشطين اقتصادياً، الواقعة بين سن الـ 15 و الـ 64 سنة النسبة العليا بين الفئات العمرية، حيث بلغت 56.5% من إجمالي عدد سكان البلاد، فقد بلغت نسبة كبار السن الواقعون في الفئة العمرية المفتوحة (65 عامًا وأكثر) نحو 3.1% فقط من مجموع السكان.

تشكل محافظات الجنوب النسبة الأكثر في عدد الزيادة السكانية، حيث تصل نسب الخصوبة فيها إلى معدلات مرتفعة مقارنة بالمحافظات الأخرى، تتصدرها البصرة، ميسان، ذي قار، المثنى، النسب، وتليها محافظات الوسط، وبغداد وإقليم كردستان. وتقدر معدلات الخصوبة في البلاد وسطياً بنحو 3.32 مولوداً لكل امرأة.

ويقدر متوسط مدة الحياة المتوقعة عند الولادة لمجموع السكان، بـ 72.9 سنة (71.01 سنة للذكور، و74.89 سنة للإناث).

مناطق السكن


يتركز السكان في الأجزاء الشمالية والوسطى والشرقية من البلاد، مع وجود العديد من التجمعات الحضرية الأكبر على طول أجزاء واسعة من نهري دجلة والفرات؛ الكثير من المناطق الغربية والجنوبية إما قليلة السكان أو غير مأهولة.

بلغت الكثافة السكانية في الجمهورية العراقية 92.45 شخصًا/كم2 عام 2020م. توزيع الكثافة السكانية في المحافظات الأكثر عداداً، حيث “تأتي العاصمة بغداد أولاً بعدد 8.55 مليون، تليها نينوى بواقع 3.5 مليون، والبصرة اكثر من 3 ملايين بقليل. وبلغ سكان المناطق الحضرية 70.9% من مجموع السكان، تأتي في المقدمة بغداد (العاصمة)، تليها الموصل، فالبصرة، فكركوك، فالنجف، فأربيل.

التركيبة العرقية

العرب

حوالي ثلاثة أرباع  العراقيين ما يقرب من 30 مليون عراقي (تقديرات عام 2010) هم من العرب. وهم أحفاد الغزاة الذين غزوا العراق من شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. ينقسم العرب دينياً إلى حد كبير. 80% من العرب هم من الشيعة، ويشكّلون القسم الأكبر من السكان. والـ 20% المتبقين هم من السنّة.

مع أن السنّة يشكّلون الأقلية، إلا أنهم سيطروا على السياسة العراقية حتى عام 2003. عانى الشيعة العرب، إلى جانب الأكراد، من الاستعباد السياسي والاقتصادي الطويل، مما يُظهر بوضوح التشوهات الموجودة في النظام السياسي القائم في العراق نظراً لنسبتهم المئوية من مجموع السكان. بالإضافة إلى ذلك، أثرت الحرب مع إيران وأزمة الكويت على جنوب العراق بشكل أشد، حيث يعيش معظم الشيعة. وتم قمع الثورات الشعبية في الجنوب في ربيع عام 1991 بعنف شديد، وقام النظام حينها بحملة دعائية عنيفة معادية للشيعة.

السكان في العراق
المصدر: https://www.citypopulation.de/en/iraq/. @Fanack

بالكاد تم تخصيص أيّ من الموارد القليلة المتوفرة للحكومة المركزية لجنوب البلاد، الأمر الذي نتج عنه في الغالب أن أصبح وضع العرب الشيعة هو الأسوأ بين سكان العراق. وبسبب ندرة حصولهم على وظائف حكومية، امتهن الشيعة التجارة والحرف.

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، حصل العرب الشيعة على مناصب بارزة في السياسة العراقية، بالنسبة إلى عددهم إلى حد ما. وكما كان متوقعاً، صعُب على العرب السنة خسارة السلطة والنفوذ السياسي بعد عام 2003.

عرب الأهوار

السكان في العراق
العراق – الأهور

كان عدد المعدان في الأصل نصف مليون نسمة، أما اليوم فلا يزال أقل من 250,000 منهم في الأهوار، وبشكل رئيسي في القسم الشرقي على طول الحدود مع إيران. وبعد عشر سنوات، هناك دافع ضعيف للمعدان الذين طردوا من أراضيهم للعودة إلى حياتهم القاسية في الأهوار. وبعد عام 2003، بذلت جهود عكس التأثير الناتج عن مشروع التجفيف، وذلك ببساطة عن طريق إزالة عدد من السواتر الرملية. والمعدان هم من الشيعة.

قدرت هيومن رايتس ووتش عدد المعدان بنحو ربع مليون نسمة خلال العقد الأخير من القرن العشرين. غير أنه تضاءلت أعدادهم إلى حد كبير حيث تعرض الكثيرون منهم للاعتقال أو “الإخفاء” أو الإعدام، وغدا أغلبهم من اللاجئين في الخارج، أو النازحين داخل العراق، نتيجة الاضطهاد.

الآشوريون

كنيسة آشورية في أربيل، كردستان العراق Photo Shutterstock
كنيسة آشورية في أربيل، كردستان العراق Photo Shutterstock

تعيش المجتمعات الآشورية في غرب كردستان العراق – لا سيما في منطقة شرق مدينة الموصل وسهول نينوى – وفي بغداد. ومع أنهم غالباً ما يصنفون خطأ كأقلية دينية، إلا أن الآشوريين يعتبرون أنفسهم شعباً ذا لغة خاصة مميزة وأحفاد الآشوريين القدامى الذين بنوا إمبراطورية قوية في بلاد ما بين النهرين قبل العصر المسيحي بعدة قرون. ونتيجة للترحيل والهروب والهجرة الطوعية (خصوصاً بين الشباب)، انخفض عدد السكان الآشوريين إلى حد كبير على مدى العقود الماضية. يعيش حوالي نصف الآشوريين في بغداد، وحوالي 10% في المحافظات الثلاث الشمالية لكردستان العراق، موطنهم الأصلي؛ وبعيش 40% في المنطقة بين بغداد والشمال.

كما هو حال الطائفة الأرمينية الصغيرة، الآشوريون مسيحيون، ينتمي ثلثاهم إلى الطائفة الكاثوليكية الكلدانية، والباقي نساطرة. ومع أنهم اعتمدوا اللغة العربية، إلا أن لغتهم الخاصة، السريانية ( اللهجة الآرامية الشرقية، التي تنتمي إلى عائلة اللغات السامية، كالعربية)، لا تزال محكية.

الصابئة المندائيون

السكان في العراق
مندائيون يؤدون طقس المعمودية السنوي Photo HH/Polaris

الصابئة المندائيون – الذين يوقّرون آدم ونوح ويوحنا المعمدان – طائفة عرقية دينية مهددة في العراق اليوم. عاشوا في جنوب بلاد ما بين النهرين منذ عصور ما قبل الإسلام. قبل ثلاثة قرون كان عددهم 70,000 نسمة، وتضاءل إلى 5000. انتهى العديد من المندائيين كلاجئين في الدول المجاورة والغرب، بعد اضطرارهم إلى مغادرة العراق بسبب الحروب والاضطهادات من قبل المتطرفين المسلمين. يشتهر المندائيون بمهارتهم في صناعة المجوهرات.

التركمان

يعود وجود جماعة التركمان في العراق إلى أيام الإمبراطورية العثمانية. ومع أن التركمان الفاتحين استقروا في العراق منذ القرن الحادي عشر، إلا أنه تم توطين معظمهم من قبل السلاطين العثمانيين في التلال الواقعة بين دجلة وكردستان كمنطقة عازلة ولحماية الطرق التجارية الهامة من دمشق إلى آسيا الوسطى. وبهذا أصبح التركمان جنوداً وحرفيين وإداريين في المدن الحامية على طول هذه الطرق التجارية. كان التركمان، مثل الأكراد والآشوريين، ضحايا لسياسات الترحيل من قبل نظام صدام حسين خلال الفترة الواقعة بين ثمانينيات وتسعينات القرن العشرين، ولا سيما في المناطق الغنية بالنفط في كركوك.

حجم المجتمع التركماني، كغيره من الأقليات، متنازع عليه: يؤكد قادتهم بأن هناك 2,5 مليون تركماني يعيشون في العراق، بينما تشير المصادر غير التركمانية إلى أنهم أقل من نصف مليون. ثلثا التركمان هم من السنّة، والباقي من الشيعة. يتحدث التركمان، بالإضافة إلى اللغة العربية، بلهجة تركية. ومنذ عام 2003، أثار تصعيد النزاع بسبب الوضع المستقبلي لمحافظة كركوك التوتر بين التركمان الذين يعتبرون محافظة كركوك موطنهم الأصلي والأكراد الذين يزعمون بأنها جزء من المنطقة الكردية.

اليهود

السكان في العراق
مزار النبي حزقيال في الكفل

حتى أوائل خمسينات القرن العشرين، كان هناك جالية يهودية كبيرة في العراق. في تعداد عام 1947 قدّر عددهم بنحو 117,000. عاش اليهود قروناً عديدة في بلاد ما بين النهرين، كمطرودين ومتحوّلين إلى اليهودية. تركز معظمهم في المناطق الحضرية، خاصة في بغداد، حيث كانوا يسيطرون على أغلب التجارة. ومع أن معظم اليهود يتحدثون اللغة العربية، إلا أنهم تمكنوا من الحفاظ على اللغة العبرية والشعائر الدينية الخاصة بهم. كما كان هناك مجتمعات يهودية صغيرة في الشمال الكردي، كان أفرادها يتكلمون اللغة الكردية واشتركوا مع الأكراد المحيطين بالكثير من العادات.

زادت التطورات السياسية، مثل نشوء الصهيونية والأحداث المأساوية التي أحاطت بإقامة دولة إسرائيل عام 1948، من عدم استقرار وضعهم. تسببت هذه العوامل مجتمعة، مع الهجمات التي استهدفت اليهود على وجه التحديد (التي ارتكبها العملاء الصهاينة كما تبين فيما بعد)، بهجرة واسعة إلى إسرائيل في خمسينات القرن العشرين. في الوقت الحاضر، هناك أقل من 250 يهودي في العراق. تم ملء الفراغ الذي تركته هجرة اليهود في الاقتصاد العراقي في خمسينات القرن العشرين إلى حد كبير من قبل التجار العرب الشيعة.

السنّة والشيعة


حوالي 95% من سكان العراق من المسلمين. ينقسم المسلمون إلى مجموعتين تعودان إلى السنوات الأولى من الإسلام. فبعد وفاة النبي محمد عام 632 م، نشأ معسكران مختلفان داخل الأمة (المجتمع الإسلامي) فيما يتعلق بخلافته: السنّة والشيعة. يعود مصطلح “الشيعة” إلى المصطلح العربي “شيعة علي”. كان أتباع علي بن أبي طالب – ابن عم النبي محمد وصهره – متحدين في هذه الشيعة. وعلى أساس وعود شخصية يعتقد بأن النبي محمد أعطاها لعلي، فاز علي بالزعامة لنفسه ولذريته ضمن الأمة (أطلق شيعته على هذه الزعامة مصطلح “الإمامة”). أما أهل السنّة، الذين يشتق اسمهم من سنّة النبي، على قناعة بأن الحكم يكون عن طريق زعيم مختار (أطلقوا على الحكم مصطلح “الخلافة”). ومع أن الشيعة يعتبرون علي الإمام الأول، صنّفه السنّة على أنه الخليفة الرابع (للخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان). وازداد النزاع بين الفرعين الرئيسيين للإسلام بعد موت علي. انتهى الصراع عام 680 بمعركة بالقرب من مدينة كربلاء، حيث تمت هزيمة الشيعة بزعامة أحد أبناء علي، الإمام حسين، في معركة غير متكافئة، وقتل حسين ورفاقه هناك.

في القرن السادس عشر، تلقى الإسلام الشيعي زخماً قوياً عندما ارتقى إلى دين الدولة من خلال السلالة الصفوية في بلاد الفرس المجاورة، وانتشر تدريجياً بين السكان السنّة. ومنذ ذلك الحين شق الحجاج وطلبة الدين من إيران ومن المجتمعات الشيعية في كل مكان في العالم العربي/الإسلامي، وخاصة لبنان، طريقهم إلى “مدينتي النجف وكربلاء المقدسة” في العراق. وأدت هذه الحركات إلى علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية بين هذه المجتمعات، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم.

هناك خمس فرائض – دعيت بأركان الإسلام الخمسة – يلتزم بها جميع المسلمين: الشهادتان (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، والصلاة خمس مرات يومياً، والزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج إلى مكة. ويلتزم الشيعة بفريضة مماثلة تقريباً بالحج إلى مدن النجف وكربلاء المقدسة. ويمكن أن يضاف إلى هذه الفرائض الخمس مشاركة كل مسلم في الجهاد، وهو القتال دفاعاً عن الأمة ضد هجمات الكفار.

المقامات الشيعية

السكان في العراق
أهم المساجد الشيعية في العراق

لأسباب تاريخية، ولنسبة الشيعة في السكان، يعتبر الإسلام الشيعي في العراق أكثر نموذجية من الإسلام السنّي. يعتبر جنوب العراق مهد الإسلام الشيعي، وهناك خاض الإمام علي وخلفاؤه صراعاً مع أهل السنّة. وفي العراق أضرحة العديد من الأئمة. أصبحت هذه القبور على مر قرون مواقع هامة للحج. كما نشأت المدارس التعليمية الدينية الشيعية هناك، وخصوصاً في النجف وكربلاء.

تعتبر النجف (جنوب بغداد) الأبرز بينها، حيث ضريح الإمام علي. وكمركز ديني، دعيت النجف “بفاتيكان العالم الشيعي”. ومن هناك يرشد آيات الله الأكبر المجتمعات الشيعية في جميع أنحاء العالم. كما تدربت هناك أجيال من العلماء من جميع أنحاء العالم الشيعي. وفي انتظار يوم القيامة، كان المؤمنون الشيعة يُدفنون بالقرب من قبر الإمام علي، في مقبرة تغطي اليوم عدة كيلومترات ، تدعى بـ “وادي السلام”.

المدينة الثانية بعد النجف هي كربلاء، في جنوب بغداد أيضاً، حيث يوجد ضريحا الإمام حسين وأخيه غير الشقيق، عباس، بطلا معركة كربلاء. كما تعتبر كربلاء مركزاً هاماً للتعليم الديني. وأخيراً هناك الكاظمية، وهي ضاحية من ضواحي بغداد، وفيها ضريحا الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد؛ وسامراء، وهي مقاطعة شيعية في شمال بغداد، وفيها ضريحا الإمامين علي الهادي وحسن العسكري.

رجال الدين

الإسلام الشيعي مبني على انقسام أساسي في جماعة المؤمنين، بين “المقَلَّدون” [بفتح اللام] (أولئك الذين يعرفون العقيدة جيداً) و “المقلِّدون” [بكسر اللام] (الذين يتبعون). تتألف الفئة الأولى من “المجتهدين”، وهم علماء الدين الذين يسمح لهم في المشاركة في التفسير (الاجتهاد) الخاص للقرآن والشريعة الإسلامية. يُمنح المجتهد هذه السلطة من قبل مرشده، بعد سنوات عديدة من الدراسة في واحد من مراكز التعليم الديني في العالم الشيعي، والتي تشمل – إلى جانب النجف وكربلاء والكاظمية في العراق – مدينة قم ومشهد في إيران. كعلمانيين، يتوقع من المقلِدين إتّباع فتاوى المجتهدين ودفع الزكاة لهم. تستخدم هذه الزكاة لصيانة المؤسسات الدينية ودعم المحتاجين. اعتماداً على مستواه العلمي، يحصل الطالب الديني على الألقاب الفخرية على التوالي: ثقة الإسلام، حجة الإسلام، آية الله. يشار إلى آية الله البارز (بناء على شهرته وعدد أتباعه) بلقب “مرجع التقليد”، ويُمنح اللقب الفخري “آية الله العظمى”. تعتبر فتوى مرجع التقليد الكلمة الأخيرة لكل تساؤلات المؤمنين الشيعة – ويتوقع من الجميع إتّباع إرشاد مرجع التقليد الذي على قيد الحياة.

عادة ما يكون هناك عدة مراجع تقليد في وقت واحد. وأبرز أربعة من آيات الله الكبرى يعيشون ويعملون في النجف في الوقت الحاضر، هم: السيد (إشارة إلى أحد أفراد سلالة النبي محمد، ويرتدي عمامة سوداء) محمد سعيد الحكيم (مواليد العراق عام 1936)، الشيخ بشير حسين النجفي (مواليد باكستان عام 1942)، الشيخ محمد إسحاق الفياض (مواليد أفغانستان عام 1930)، والسيد علي الحسيني السيستاني (مواليد إيران عام 1930). ويعتبر هذا الأخير الأول بين أقرانه. وبشكل جماعي، تسمى أعلى القيادات الدينية الشيعية بـ “المرجعية” (مجموع مراجع التقليد)، أما المؤسسات التعليمية والعاملون فيها فتدعى “الحوزة العلمية”.

ليس لرجال الدين السنّة بناء هرمي مماثل، وهناك علاقة أكثر مرونة بين المؤمن العادي والموظفين الدينيين والعلماء. ويتميزون بمناصبهم: الإمام والقاضي والمفتي. وكالشيعة، للأخير السلطة لإصدار الفتاوى. وفي كثير من الحالات، يقضي أعضاء الدوائر الدينية العليا سنوات دراستهم في جامعة الأزهر الشهيرة في القاهرة. كما يدفع المؤمنون السنّة الزكاة للموظفين الدينيين.

النزوح الداخلي واللاجئون

العراق السكان
النزوح الداخلي واللاجئون في العراق

مر المجتمع العراقي في فوضى تامة على مدى العقود الماضية نتيجة الحروب والقمع والتطهير العرقي؛ وقد نتج عن ذلك عدد كبير من المشردين وشتات عراقي واسع النطاق.

عام 2002، قدّر عدد المشردين داخل العراق بنحو 600,000 إلى 800,000 في الشمال، وما يصل إلى 300,000 في الأجزاء الوسطى والجنوبية من البلاد. عاد ما يقدر بـ 100,000 لاجئ في السنة الأولى بعد سقوط نظام صدام حسين، من إيران المجاورة في المقام الأول (كان الشتات العراقي عدة أضعاف هذا الرقم). وفي بداية الألفية الثالثة، كان نحو 4,5% من السكان من المشردين داخلياً واللاجئين العائدين. تزايد عدد المشردين واللاجئين بشكل كبير بعد عام 2003، وذلك بسبب تصعيد أعمال العنف. ووضع ذلك عبئاً إضافياً على الاقتصاد الذي كان متضرراً في الأساس. وكانت البنية التحتية اللازمة لرعاية هؤلاء الناس غير كافية. ونظراً لارتفاع معدل البطالة، فبالكاد كان يوجد أي احتمال لإيجاد عمل.

تشكل الجهود التي يبذلها النازحون واللاجئون للحصول على تعويضات مصدر توتر سياسي. وهذا ينطبق بشكل خاص على كردستان العراق – حيث تم تهجير الأكراد والآشوريين والتركمان على أساس العرق – واحتل العرب الشيعة بيوتهم. اليوم، وبعد سقوط نظام صدام حسين، يطالب العديد من أولئك الذين طردوا بعودة ممتلكاتهم التي سرقت منهم – المنازل والأراضي والمحلات التجارية. وهم يصعّدون ضد أولئك المستوطنين العرب الذين غالباً لا يرغبون أو لا يقدرون على العودة إلى المناطق التي أتوا منها. ولم تتخذ الحكومة الجديدة حتى الآن إجراءات قانونية ولا تقدم أي دعم اقتصادي لهم.

محافظة كركوك

العراق الاكردا
انفصال المحافضات الكردية شمال و وسط العراق

تورط الأكراد لسنوات في صراع مع التركمان والآشوريين والعرب حول الوضع المستقبلي لمحافظة كركوك، والتي رسمت حدودها عام 1975، بعد اقتطاع ثلث أراضيها وسكانها الأكراد. وسميت المحافظة الجديدة بالتأميم. وبعد ثلاثينيات القرن العشرين وعلى مدى العقود القليلة التالية، كانت كركوك أهم مراكز إنتاج النفط في العراق. تغيرت تركيبة السكان في هذه المحافظة المختلطة، بغالبية من الأكراد بالإضافة إلى التركمان في المدينة، وذلك ليس لصالح الأكراد جذرياً نتيجة سياسات الترحيل وتوطين العرب، السياسات التي تم تصميمها لمنع مطالب الأكراد بالمحافظة. إلا أن الأكراد استمروا بمطالبة أن تصبح محافظة كركوك تحت السيطرة الكردية. عام 2003، خلق انهيار الدولة العراقية القوية فرصة جديدة في هذا الصدد.

نافس التركمان والعرب المطالب الكردية. وزاد وجود النفط من الصراع ولفت انتباه جهات خارجية، مثل تركيا. حيث أملت أنقرة، من خلال دعم التركمان، بمنع سلطات كردستان المجاورة ذاتية الحكم من السيطرة على حقولها النفطية الضخمة. وفي الوقت الحالي، تتعامل تركيا مباشرة مع الأكراد. وهذا صراع سياسي خطير ذو بعد عرقي واضح. تزايدت التوترات بين العرب والأكراد في معقل القومية العربية في مدينة الموصل بعد سقوط نظام صدام حسين.

الإيرانيون في العراق

يُعد العراق مَحَجّاً شيعياً رئيسياً للإيرانيين باعتباره منشأ التشييع، والجذر التاريخي لانبعاث وتمايز الطائفة الشيعية عن الرافد الإسلامي السني، وبه أهم المزارات الشيعية التي تقدر بنحو 170 مزاراً، منتشرة على اتساع الأراضي العراقية، وأهمها في كربلاء، النجف، سامراء، الكاظمية، والكوفة.

ودون الذهاب بعيداً في التاريخ، خاضت العراق وإيران أطول حروب القرن العشرين التي امتدت لنحو ثمانية أعوام، والمعروفة باسم الحرب العراقية الإيرانية – “الحرب المفروضة”، كما سمتها السلطات الإيرانية – من أطول النزاعات، وأكثرها فظاعة بين الدول، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فق كان القلق الذي بثه انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م، محركها الرئيس؛ حيث رفع قادة الثورة على رأسهم آية الله الخميني، شعار تصدير ثورته إلى الدول المحيطة، بدءً من العراق ذو النظام العلماني، والذي كان من المقرر الإطاحة بحكومته واستبدالها بنسخة طبق الأصل من النظام الإسلامي الجديد في إيران.

فأشعلت بعض التحركات السياسية والتحرشات الحدودية فتيل الحرب الطويلة، التي راح ضحيتها أكثر من مليون قتيل من الطرفين وضعفهم من المصابين، فضلا عن الكلفة المادية الهائلة.

وفي أعقاب الاجتياح الأمريكي الذي أسقط نظام الرئيس الراحل صدام حسين في عام 2003م، أسست إيران نفوذا لها في العراق، ودفعت بالأغلبية الشيعية إلى مقاعد الحكم خاصة الأحزاب التي تدعمها طهران. وعمل الحرس الثوري على توسيع إمبراطورية الأعمال التابعة له في العراق  فقام بتوسيع نطاق نفوذه إلى مختلف أنحاء البلد الضعيف.

وقد كشفت أرقام وصفت بالصادمة، مطلع العام 2021م، عن عمليات تجنيس لإيرانيين قدرت بنحو 50 ألف عملية تزوير في الجنسية، لإيرانيين في محافظة ديالى وحدها، فضلاً عن مزاعم بعمليات تزوير أخرى تتعلق بتجنيس إيرانيين آخرين، قدرت بالملايين في محافظات عدة بينها البصرة، النجف، ذي قار، الديوانية، وصولاً إلى بغداد، بهف تغيير الواقع الديمغرافي في تلك المناطق.

وكانت إيران ضخت أموالا طائلة تقدر بملايين الدولارات للاستثمار في السياحة الدينية، عبر توسيع وبناء وتطوير المزارات الشيعية في عدة محافظات عراقية، وذلك ضمن خطتها التوسعية على التراب العراقي، وترسيخا لنفوذها القائم المتمادي.

ظلت إيران وما فتئت تستغل سلاحها المذهبي كذريعة،  لتدخلها إلى جانب الحكومة العراقية الشيعية الموالية لها في حربها ضد تنظيم ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش” بحجة حماية الأماكن والمزارات الدينية الشيعية في العراق، وكذلك حماية الوافدين الإيرانيين، مستندة إلى فتاوى أطلقها المرجع الديني الشيعي آية الله علي السيستاني عام 2014م،  فيما سُمي بـ«الجهاد الكفائي».

بيد أنها تمكنت بالفعل من تعزيز وجودها في العراق من خلال حلفائها الشيعة، وتمكنت من السيطرة عليه،  بإيصال حلفائها من الساسة الشيعة إلى السلطة وصناعة القرار، ودعمهم للبقاء في سدة الحكم. وتأمين حمايتهم من خلال تجربتهم الشعبية العسكرية المتمثلة بالمليشيات ومنها المنضوية تحت مظلة «الحشد الشعبي»، والتي جعلتهم سيفاً مسلطاً على رقاب أهل السنة، وحولتهم إلى جنود يدافعون عن أمن إيران بصورة غير مباشرة بزعم أنهم يقاتلون دفاعاً عن أراضيهم، فضلاً عن توغلها داخل المجتمع العراقي بوسائل شتى منها: ما هو ديني ومذهبي، ومنها ما هو اقتصادي واجتماعي، وربما ديمغرافي.