وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الكاكائية في العراق: تاريخ طويل واضطهاد مستمر

تعيش الكاكائيّة كجماعة دينية غير تبشيرية في عراقٍ غني بالعرقيات والديانات. ويحاول الكاكائيون الحفاظ على خصوصيتهم وسط ما يشهده العالم من تحولات.

الكاكائية في العراق
الكاكائية من الأقليات الدينية المنتشرة في شمال العراق. المصدر: Maciej Moskwa / NurPhoto via AFP.

يوسف شرقاوي

تعيش الكاكائيّة كجماعة دينية غير تبشيرية في عراقٍ غني بالعرقيات والديانات. ويحاول الكاكائيون الحفاظ على خصوصيتهم وسط ما يشهده العالم من تحولات. وفي الوقت الذي يتعرض فيه التلوّن الديني والعرقي في العراق لتهديدات متعددة، فقد كان للكاكائيين نصيبٌ من هذا الضغط. ويعاني الكاكائيون من فرض ضغوط كبيرة تهدّد عقيدتهم ووجودهم.

ويعود تاريخ ظهور الكاكائية إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد. وفي الوقت الذي تحمل فيه هذه الطائفة اسم “الكاكائية” في العراق، فإنّ أتباعها في إيران يسمونها باليارسانية، ومعناها “عشّاق الخالق”. ولا يقتصر تواجد أتباع هذه الملّة في العراق وإيران، بل أنه يمتد ليصل إلى باكستان والهند وتركيا وغيرها من الدول.

أصل التسمية

يُرجِع الباحث عبد الرحمن كريم درويش أصل كلمة “الكاكائية” إلى كلمة “كاكة” الكردية. وتعني هذه الكلمة “الأخ الكبير العطوف والرؤوف الخدوم الشهم الصادق المعيل والمتحمل للمسؤولية والمتدبر لشؤون الآخرين والراعي لمصالح الضعفاء والمدافع عنهم”. وبحسب درويش، فإنّ هذه التسمية تطلق في بعض الحالات على الأب وعلى الأجداد في العائلات الكبيرة. كما أن اسم “كاكة” يطلق على الشخصيات العامة.

أمّا الباحث جمال رشيد فيربط مصطلح “الكاكائية” بتطوّر الجذور التاريخية لكنية الكرد. ووفقاً لرشيد، فإن الجذور المشتركة للتسمية تطوّرت عبر الحقب التاريخية لتصل إلى التسمية الحالية لكلٍّ من الكرد والكاكائيين.

ويرى البعض أنّه تم تخصيص الكرد باسم الكاكائية احتراماً لهم. أما البعض الآخر فيرى أن التسمية جاءت انعكاساً لعقائد الكاكائيين الدينية التي تبشر بالأخوّة بين البشر، وتفرض عليهم مناداة أي إنسان بكلمة كاكة.

وعلى أساس الأخوّة الوارد في التسمية، يرى المؤرخ العراقي عباس العزاوي أنّ الكاكائية أضحت رابطة روحية تجمع الكاكائيين حولها.

وهناك من يسمي الكاكائيين بأهل الحق، وهي التسمية الشائعة لهم في إيران. وثمة أسماء أخرى منها رجال الفتوة أو أهل السلسلة واليارسانية (يار وسان، أي صديق السلطان). واليارسانية في اللغتين الفارسية والكردية تعني أيضاً المحبوب.

الانتشار الجغرافي

يتركز وجود الكاكائيين العراقيين في إقليم كردستان. كما أنّ بعضهم يعيش في محافظات نينوى وكركوك وديالى.

وبحسب تقديرات غير رسمية، يتراوح عدد الكاكائيين العراقيين بين 200 ألف ونصف مليون نسمة. أما في إيران، فعددهم يفوق ذلك بكثير ويتراوح بين مليوني وأربعة ملايين نسمة.

كما أن هناك تجمعات للكاكائية في درسيم وسيواس في تركيا. ويقدّر عدد أتباع هذه الأقلية في تركيا بحوالي 100 ألف نسمة. ويشكل الكاكائيون مجموعات دينية في أرمينيا وجورجيا. كما أنهم يتواجدون في باكستان والهند وأفغانستان.

العقيدة

يقول المؤرخ الكردي الدكتور مهدي كاكائي إنّ الكاكائية إحدى فروع الديانة اليزدانية. وترتكز هذه الديانة على “النظافة والصدق والابتعاد عن الأنانية وحب الذات”. كما أنها “تدعو للانتصار على الرغبات الدنيوية، وعدم إيذاء النار والهواء والماء والتربة والطبيعة والإنسان والحيوانات”.

ويؤكد كاكائي عدم وجود الموت في معتقدات الكاكائيين. ويؤمن معتنقو الكاكائية بتناسخ الأرواح. ويقول كاكائي: “عند موت الإنسان، تنتقل روحه إلى جسد إنسان أو حيوان آخر”. ولا يؤمن الكاكائيون بوجود أنبياء أو رسل مرسلين من عند الخالق.

ويُعد التكتم وعدم الإفصاح عن الأسرار عقيدة أساسية عند الكاكائية. كما “يعتقد أبناء هذه الديانة أن الله يتجلّى بنفسه في سلسلة من المظاهر تُسمَى أدواراً يدير عن طريقها شؤون البلاد وتكتمل بالرقم سبعة”.

يذكر رجب عاصي، رئيس منظمة “ميثرا للتنمية والثقافة اليارسانية”، أن للكاكائيين كتابا مقدسا يسمى “سه ر ئه نجام (سنچنار)”، وهو كتاب باللغة الكردية، معنى اسمه بالعربية “النتيجة العظمى”.

ويؤكّد عاصي اعتبار الكاكائيين لجبرائيل نبياً لهم. ولدى الكاكائيين مصلحون ومحدثون، آخرهم كان سلطان إسحاق. ويعتبر سلطان إسحاق بمثابة “النبي أو المرجع الأبرز للديانة الكاكائية”. ويضيف عاصي: “الكاكائية ظهرت كديانة مستقلة على يد مؤسس ومجدد هذه الطريقة، وهو فخر العاشقين سلطان إسحق البرزنجي المولود عام 1273م”.

الطقوس

لا يوجد مكان خاص لإقامة طقوس العبادة عند الكاكائيين. ويُعنى الكاكائيون بالجانب الروحي أكثر من أيّ شيء آخر، ليكون هذا الجانب من الركائز الأساسية التي تستند إليها فلسفة الديانة الكاكائية. وعلى ذلك، يجوز إجراء المراسيم الدينية في أي مكان طاهر يتجمع فيه الكاكائيون.

ويقول عاصي: “الدين اليارساني مغلَق على معتنقيه. أي لا يمكن لغير المولود من عائلة يارسانية أن يكون من الكاكائية، كون هذه الديانة لا تقوم بالدعوة والتبشير، بل تحترم جميع الأديان بنظرة متساوية. ويعتبر الجهور بالمراسم والطقوس نوعاً من الدعوة والتبشير ولذلك لا تقبل (هذه الديانة) بتصوير مراسمها وطقوسها وتمنع رجال دينها من التصريح للصحافة أو إعطاء أية معلومات عنها”.

العصور

قام الكاكائيون بالتحقيب التاريخي لمسيرة عقيدتهم، وسموها عصوراً. وبحسب درويش، فإن للكاكائيين سبعة عصور. ويطلق الكاكائيون على العصور الثلاثة الأولى اسم “العهد القديم”. أما العصور الأربعة اللاحقة، فيسمونها بـ”العهد الجديد”، علماً بأن هذا العهد بدأ أيام الخلافة الأموية.

في كتاب “الكاكائية في التاريخ”، يؤكّد المؤرخ عباس العزاوي أنّ الكاكائية بدأت كتنظيم اجتماعي يقوم على الفروسية والتربية الروحية. ووفقاً للعزاوي، فإنّ هذا التنظيم الاجتماعي تطوّر إلى فرقة وطائفة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.

وكانت الكاكائية قد ظهرت كطريقة صوفية روحية عرفانية على يد الشيخ سلطان إسحاق بن الشيخ عيسى البرزنجي المولود سنة 671 للهجرة. ويشتهر البرزنجي بين صفوف الكاكائيين باسم “فخر العاشقين”.

الأعياد

يحتفل الكاكائيون بثلاثة أعياد سنوياً، وهي عيد خاوندكار وعيد الصيام وعيد النوروز. ويأتي عيد خاوندكار في الشتاء ويُعرف بـ”عيد الخليقة”. أما عيد الصيام، فيأتي بعد صيام مماثل لصيام المسلمين ويمتد صيام الكاكائيين على مدى ثلاثة أيام. ويتبدّل تاريخ حلول عيد الصيام، نظراً لاعتماد الكاكائيين في حياتهم على التقويم القمري. ويأتي العيد الثالث وهو عيد النوروز يوم 21 مارس من كل سنة.

الرجل والمرأة

يمكن التعرّف على الرجل الكاكائي بسهولة، وفقاً للكاتبة ورود صالح. ويطلق الرجال الكاكائيون شواربهم كإرث ثقافي. كما أنهم اعتادوا ارتداء زيّ مكوّن من رداء يشبه العباءة لكنه أقصر بقليل منها. ويعرف هذا الرداء بـ”الصاية”. ومن الخصائص المميزة للكاكائيين عقد ربطة على الرأس.

وتندمج المرأة الكاكائية مع ثقافة المنطقة التي تعيش فيها. ولا تفرض الديانة الكاكائية على نسائها أي رداء محدد أو غطاء للرأس.

للمرأة مكانة دينية واجتماعية مهمة في مجتمع الكاكائية. ولا يوجد تمييز في الحقوق والواجبات بين الجنسين. ويحرص الكاكائيون على تحقيق المساواة في الجوانب المتعلقة بالميراث. وفي هذا الصدد، يقول عاصي: “إن كان (الكاكائيون) يتبعون في أحوالهم الشخصية القانون الإسلامي، ما يعني أن للذكر مثل حظ الأنثيين، إلا أنهم يحرصون في ممارستهم العملية على تحقيق المساواة”.

كما تقول ليلى طاهر شريف إنّ المرأة يمكن أن تتقلّد منصب “سيّد”، وهو المنصب الديني للشخص الذي يقود الطقوس الدينية للكاكائية. كما بإمكان النساء دخول “الجمخانة”، وهو المكان المخصص لإقامة الشعائر اليارسانية. ولا تفقد المرأة هويتها الدينية بزواجها من شخص غير كاكائي إلا إذا قررت هي التنازل عنها أو أُجبرت على ذلك بالقوة.

قيود متعددة

الكاكائية في العراق
صورة تم التقاطها يوم 26 أكتوبر 2016 لنساء كاكائيات في قريتهم المجاورة لبلدة قلق شرق الموصل، وذلك بعد أشهرٍ قليلة من استعادة القوات العراقية لتلك المنطقة من تنظيم الدولة الإسلامية. المصدر: SAFIN HAMED / AFP.

يواجه الكاكائيون مشاكل ترتبط بعدم الاعتراف بهم كأقلية دينية وفقاً لما ورد في تقرير صادر عن مؤسسة مسارات حول حرية المعتقد للأقليات الدينية في العراق. ويعاني الكاكائيون من ممارسة عمليات التمييز بحقهم على أسس دينية. وبحسب التقرير، فإن هذه الممارسات تجعل الكاكائيين “يقعون في ظل حصار اجتماعي”. كما أنها تجعلهم يشعرون “بالاغتراب عن محيطهم الاجتماعي الأوسع، لا سيما في المناطق التي يعيشون فيها مع بقية المسلمين”.

وتقول شريف إن حرمان الكاكائيين من حقوقهم وعدم الاعتراف بهم في العراق نوعٌ من أنواع الاضطهاد التي يتعرض لها أتباع الديانة.

ويشعر أتباع الكاكائية أن هويتهم الدينية في خطر ومهددة بالزوال في العراق. وامتد هذا الخطر ليصل إلى مدن إقليم كردستان. ومن المظاهر التي قد تؤدي إلى زوال الكاكائية عدم السماح بتعليم تعاليم هذه الديانة للأطفال في المدارس.

ووصل حجم الضغط على الكاكائيين إلى مضايقتهم وإهانة معتقداتهم والاستيلاء على أماكن عباداتهم لتحويلها إلى مساجد وحسينيات.

وبحسب منظمة ميثرا، فإن بعض الأحكام الصادرة بحق الكاكائيين لا تستند إلى نصوص قانونية. وفي بعض الممارسات المخلّة بالقانون، يتم إجبار الكاكائيين على حلق شواربهم.

فيما يرى الباحث في شؤون الأقليات سعد سلوم “أن الكاكائية مكون أصيل وأقلية واضحة من ضمن الأقليات التي يتكون منها نسيج المجتمع العراقي ولها الحق في الدخول لتصنيفات الحكم في العراق سواء في البرلمان أو في الحكومات”.